اعلان

«مؤسسة التعاون» تجربة فلسطينية رائدة PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
في عالم الأرقام الصلبة، ليس ثمة غزل، ولا نفاق، ولا مجاملة أو محاباة!! وفي عالم الأرقام الصلبة، تنتصب الحقائق وتتلاشى الأوهام! وفي عالم الأرقام، تتراجع المجلدات الإنشائية وتصمد الخلاصات في المتاريس. ذلك أنه، في عالم الأرقام، تطير الخفافيش وتبقى النسور! وحسبي أن أسجل الآن أن «مؤسسة التعاون»، ذات التاريخي الريادي الحافل، قد قدمت، فعلا، لفلسطين –من خلال عطاء أعضائها وأصدقائها وتحالفاتها- مشاريع إنمائية وإغاثية تتجاوز الثلث بليون دولار أمريكي ... وبشفافية كاملة، والحبل على الجرار!

لقد عايشت فكرة «مؤسسة التعاون» مذ كانت «نطفة» عند عبد المحسن قطان (أبو هاني)، ثم أصبحت «علقة» عند الكوكبة المؤسسة لتلك «المؤسسة»، ثم غدت «مضغة» بهمة القاعدة الواسعة من «أثرياء الأنفس» الذين لم يبخلوا في المدد: فكرا وجهدا ومالا. فذات مساء من «أيام الكويت» الجميلة في العام 1981، هاتفني الأخ (أبو هاني) ودعاني (والمرحوم توفيق أبو بكر) إلى منزله لمناقشة فكرة كانت تداعبه!

لاحقا، علمت أن عملية التشاور التي بادر إليها الأخ عبد المحسن جرت أيضا مع نخبة مختارة. يومها، قدمنا له (توفيق وأنا) ما في جعبتنا من أفكار وملاحظات ... ومضينا. غير أن مثابرته سرعان ما جسدت الفكرة في «مؤسسة» ناهضة بقيادة تسع شخصيات تبرع كل منهم بمبلغ مليون دولار أمريكي وهؤلاء هم (علاوة على أبي هاني): المغفور له -بإذن الله- عبد المجيد شومان (الرئيس الأول لمؤسسة التعاون) وحسيب صباغ (أكرم من عرفت فلسطينيا وعربيا) وسعيد خوري (رجل العطاء الكبير والصامت) ومنيب المصري (الدينامو الاجتماعي الذي لا يكل ولا يمل) والمرحوم هاني القدومي (الصديق الغالي الذي حين نتذكره نرى «ثلاثية» الأخلاق والهدوء والبذل متجسدة في إنسان) وزين العابدين مياسي (الحبيب الذي سجل بحقه المرحوم الصديق رفيق الحريري «شهادة كرم» وهي شهادة أتبناها كليا) ونزار جردانة (الكريم صاحب الجيب «المخزوق»، والوجه الضحوك دائما) ووليد قطان (الأعزب الأبدي الذي «تزوج» التبرع). لقد كان لهؤلاء التسعة الفضل في إنشاء وقفية «المؤسسة» التي تجاوزت في اجتماع الرياض (18) مليون دولار في العام 1983 (وذلك قبيل الاجتماع التأسيسي الرسمي في جنيف).

وإذ حرصت على ذكر بعض الرواد الأوائل في بناء صرح «مؤسسة التعاون»، فإن ذلك يجب أن لا يغمط حق شخصيات كريمة تتجاوز مئات الفلسطينيين والعرب الآخرين الذين وردت أسماءهم وتبرعاتهم المثبتة في كتاب «المؤسسة» (رواد العطاء ما بين العامين 1983 – 2007) الذي يمكن الرجوع إليه لمعرفة أسماء هؤلاء الكرماء. وإن خصصت اعلاه، بالذكر (المجموعة الماسية المميزة) الذين تبرع أعضاؤها بأكثر من 3 مليون دولار، أشير أيضا إلى (المجموعة الماسية الممتازة) الذي تبرع كل من أفرادها بمبلغ 2-3 مليون دولار، و(المجموعة الماسية الأولى) ممن تبرع الواحد منهم من 1 -2 مليون دولار، علاوة على «المجموعات» الكريمة الأخرى. وأظنني – في الحديث عن «مسيرة العطاء» هذه - لن أكون منصفا إن أنا أغفلت ذكر المفكرين الفلسطينيين والعرب الذين وضعوا أيديهم بأيدي أقرانهم من رجال الأعمال وقدموا فكرا وجهدا لا يقل أهمية عن المال. كما لا بد من التنويه بشكل خاص بعطاء كافة الذين كانوا ولا يزالون ضمن «أسرة العاملين» في المؤسسة وعلى رأسهم أصدقائي المدراء العامّون الذين تعاقبوا على إدارة المؤسسة الدكاترة: جورج عبد، فيكتور قشقوش، إسماعيل زبري، وعطاالله كتاب.

ويشهد الله بمدى فرحتي يوم نجح مسعى أنصار «تسليم الراية» (في مجلس إدارة «مؤسسة التعاون») قبل عامين أو يزيد. فقد استطاع هؤلاء نقل الراية من أيدي «جيل الرواد» ... إلى أيدي جيل «شيوخ الشباب». واليوم، إذ نستذكر فضل الروّاد، ورغم إيماني المستند إلى معرفتي اليقينية بهؤلاء الأخيرين وعلى رأسهم الأخوة الأصدقاء نبيل قدومي ورياض كمال وفيصل العلمي ومروان السائح ويوسف أبو خضرا) فإن الرهان باق على ما إذا كانت «مؤسسة التعاون» في «طبعتها الحديثة» ستكون قادرة على متابعة المسيرة مرتقية آفاقا أعلى من جهة، وملتزمة بإرث الرواد القاضي بتجديد القيادة ديمقراطيا، فيصعد بعدهم غيرهم، مثلما هم صعدوا، إلى سدة المسؤولية، ومن جهة ثانية، وفي أعماق نفسي، أعلم أن هذا الرهان المزدوج محسوم إيجابيا.

ختاما، كم هو أمر ضروري وحيوي، أن تبقى «مؤسسة التعاون» نموذجا للفلسطيني والعربي المعطاء، العلمي، المؤسساتي، الشفاف/.... والديمقراطي عسى أن تصبح «المؤسسة» أنموذجا يحتذى من قبل المؤسسات الرسمية الفلسطينية والعربية، فتعود الصورة القديمة الزاهية عن الفلسطيني العربي. ويبقى حال مؤسسة التعاون «كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون».

د. أسعد عبد الرحمن
 
< السابق   التالى >