اعلان

عودة الروح لكل اسم فلسطيني ولقصة بدأت عام 1948 17/9/2008 PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق

Published in As Safir newspaper on 17 September 2008

http://www.assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=1043&WeeklyArticleId=46638&ChannelId=6093&Author=%D8%B2%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A8%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D9%88%D9%8A

 

عودة الروح« لكل اسم فلسطيني ولقصة بدأت عام ١٩٤٨

 

مئات الفلسطينيين معلقون على حبال الغسيل، كما تعلق الثياب لتجف. تسأل سيدة: »لماذا يفعلون ذلك بالشعب المسكين؟«. ويرد صوت في داخلها: »لأنهم فلسطينيون«. بهذه الطريقة، يبقون في وضع غير ثابت، معلقين بين السماء والأرض.
الصورة وحدها تجسد حكاية الفلسطيني المأساوية منذ عام .١٩٤٨ والصورة زارت منام امرأة فلسطينية تدعى إم علي، هي بطلة فيلم »سواريدا... امرأة من فلسطين« للمخرجة تهاني راشد. ويتكلم الفيلم عن امرأة (إم علي) تحتسي القهوة مع رفيقتيها وتخبرهم عن هذا الحلم الذي راودها. لم يمر الحلم مرور الكرام على الفنانة الإسكتلندية جاين فريري. فجسّدت رؤية إم علي على أرض الواقع، وصنعت ٣٢٠٠ مجسّماً من الشمع والأسلاك المعدنية للاجئين فلسطينيين غادروا قراهم المحتلة عنوة، فأبصر معرض »عودة الروح« الجواّل النور، وعلّقت المجسمات بخيط شفاف رفيع من سقف قاعة العرض لتجسّد مشاهد الهجرة الجماعية القسرية عام .١٩٤٨
افتتح المعرض يوم الأحد الماضي، ويستمر حتى الثالث من تشرين الأول المقبل في مسرح »دوّار الشمس«. وهو أقيم برعاية »جمعية شمس« و»مؤسسة جنى«، و»حوش الفن الفلسطيني«، و»مؤسسة التعاون« وجريدة »السفير«. أما المشاركون فهم شباب وشابات فلسطينيون قاموا بورشات عمل في المخيمات تحت إشراف الفنانة فريري.
كان العرض الأول بدايةً مع »الحوش« في فلسطين. من هناك بدأت رحلة التهجير في معارض مختلفة في دول العالم. اليوم، يحط المعرض رحاله في بيروت في مناسبة ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا. ومن ثم سينتقل إلى كل من دمشق، وعمان، فطوكيو وأستراليا، حتى ترتاح الشخصيات الـ٣٢٠٠ في وطنها الأم ختاماً، في معرض القدس المحتلة.
كلّمني الأول
»لمّا كانت العودة بعد أكثر من نصف قرن ضرب من الحلم المستحيل، قررنا أن نعود...
ولمّا كانت الروح مسكونة بهاجس العودة الدائم، قررنا تجسيدها بالطين...«. من منطلق هذين الشعارين، أرادت فريري للمجسمات المعلّقة بين السماء والأرض أن تعبّر. فهي تعتبر أن هذه الرمزية الفنية تجسد حالة الفلسطيني. كرست فريري نفسها على مدار عامين لتطوير رؤيتها الفنية واستكشاف التجربة الإنسانية في تشريد ثلاثة أرباع مليون فلسطيني.
وهنا الرواية على لسانها: »عزمت على ترجمة تضامني مع القضية الفلسطينية من خلال عمل فني. كنت في بولندا وأعمل في المسرح. لم أكن أملك أدنى فكرة عن النكبة. غمرني الإحباط. قررت الغوص في الأساطير والأبحاث لأتحسس الإيقاع اليومي للحياة تحت الاحتلال وأتعمق في التاريخ الفلسطيني. عزمت على صنع شيء. فجأة، تلوح أول شرارة إلهام. مجسم صغير كنت قد صنعته من الشمع يحاكيني. بدأت أتخيل الأشكال المصنوعة من الشمع. لا تغيب عن بالي صورة »إم علي« في الفيلم الذي شاهدته. شعرت بالمجسم يخاطبي: »أنا هو«. ترسخت الفكرة بالكامل وأدركت أن هذه التماثيل هي مشروعي الذي نفذته بنجاح«.
لكل مجسّم قصة... والأونروا تنقلها
عملت الفنانة على إنتاج المشروع بالتعاون مع مجموعة من الفنانين الفلسطينيين الناشئين، ممن تم تدريبهم على يديها لإقامة ورشات عمل فنية تثقيفية في مخيمات لجوء مختلفة. لا تمثل المجسمات أشكالاً خارجية فقط، بل زوّدت كل واحدة منها بهوية تتحدث عن قصة مواطن فلسطيني هجر أرضه. استدعى ذلك مشاركة كبار السن في المخيمات. يرافق هذه المجسمات شهادات مكتوبة وأخرى مسجلة لفلسطينيين من أجيال مختلفة للنكبة. شخصيات مقتلعة من جذورها تظهر العامل والصانع والطالب والمزارع والأم والطفل والحالم والفنان. فتجسدت الروح بأجدادها، منها من يحمل الوسادة بدل ابنه، ومنها من يمسك بيد أطفاله. من جهة ثانية، تظهر امراة عجوز تنتحب. خلفها، رجل يخبئ وجهه بيديه دليل الخوف. آخرون بلباس »القمباز«. ومن المجسدات أيضاً أشخاص يحملون أشياءهم على ظهورهم.
تشير منسقة المشروع بشرى مغربي إلى مشاركة حوالى ١٣٥ شاباً وشابة فلسطينية في هذا المعرض. وترى أن أهمية المعرض تكمن في رمزيته، من خلال تسليط الضوء على القضية الفلسطينية، ومخاطبة الجمهور الغربي لخلق نوع من الجدلية حول هذا الموضوع. وتضيف أن »وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين »الأونروا«، تساهم في عملية شحن المجسمات من بلد الى آخر، وتغليفها كي لا تتعرض الى تشويه خلال عملية النقل«.
سأمنحها روحي
تعمد بسام القاضي من مخيّم البارد أن يجرح نفسه بالأسلاك المعدنية خلال صنعه المجسمات. فبسام يريد أن يلوث المجسمات بدمه ليعطيها روحاً. عمل بسام كناشط في مؤسسة تعمل مع الأطفال. إرادته كانت الحافز الوحيد للمشاركة في المشروع وصنع أكبر عدد ممكن من تلك المجسمات. يعني له موضوع الهجرة كثيراً. فالحرب على مخيم نهر البارد وفقدانه لمنزله زاداه تعلقاً بالقضية مؤكداً أن »الفلسطينيين تعبوا من المشي والتنقل«.
»هذا جدي أحمد. وتلك جدتي رقية. وهذه خالة أمي سهام...«، تطلق امتثال أبو سمرة من المخيم نفسه أسماء على المجسمات، لتنفخ فيها الروح. لم تستصعب امتثال تعلّم صناعة تلك المجسمات، فكانت تزور كبار السن، وتدون أخبارهم وذكرياتهم عن الهجرة من فلسطين. سهرت حتى الفجر كي تتمكن من صناعة ٦٠٠ تمثال، لتقول: »جميع الشعوب تعيش في وطنها، إلاّ فلسطين تعيش في قلب الفلسطينيين«.
فاتن القاسم من مخيم برج البراجنة أيضاً صنعت ٢٦٠ مجسماً. هي خارج بلدها فلسطين. لم تعش مأساة الهجرة لكنها تشعر بها من شهادات أجدادها. أكثر ما تأثرت به هو حكاية المرأة الحامل التي فقدت جنينها، فجسدت الصورة في مجسم امرأة تنتحب، بعدما فقدت طفلها الذي لم يولد بعد.
ولم تمنع إعاقة سمر المقداد الجسدية مشاركتها في المعرض. لا تعرف سمر الكثير عن تراث بلدها المحتل. تحدّى إيمانها بالقضية حالتها الجسدية، فصنعت بعض المجسمات التي تمثل »قصة شعب تشرّد وقهر وصبر«.
محمد علي النبي مقعد منذ زمن طويل. عند محمد إصرار على »التكلم باسم وطني حتى الممات«. فترجم كلماته في صنع مجسمات تؤكد أن »تراثنا لنا وليس للعدو«.
ملاحظاتكم لجاين
قام عدد من زوار المعرض بتدوين ملاحاظاتهم للفنانة جاين. وكان أبرزها: »هذا عمل لافت ورائع. عملك نور. كنز من نور يضيء هذه العتمة وأكوام النار. مشروع »عودة الروح« مشروع جميل لتمثيل قضيتنا...«.
بدورها، ترى فريري أن ما قامت به لا يعتبر عملاً سياسياً بل عمل إنساني بحت: »أنا لست سياسية ولا مؤرخة بل فنانة، ولذلك أنا محاورة. أدرك وأؤمن بأنه من الضروري أن نفهم أسباب هجر الفلسطينيين لوطنهم عام ١٩٤٨ كي نستطيع استيعاب ما يحدث في أرجاء العالم كافة«.

 

 
< السابق   التالى >